سميح دغيم

138

موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي

يكون وإمّا أن لا يكون ، ثم إنّ هذه القضية ليست يقينيّة ، وإذا لم يكن أقوى الأوليّات يقينيّا فما ظنّك بأضعفها . ( مح ، 30 ، 2 ) - إنّ كل تصديق ، فلا بدّ فيه من تصوّرين . أحدهما : تصوّر الموضوع . والآخر : تصوّر المحمول . إذا عرفت هذا فنقول : إمّا أن يكون مجرّد حضور هذين التصوّرين في الذهن ، مستقلّا بإيجاب أن يحكم الذهن بذلك التصديق ، أو لا يكون . والأول : هو البديهيات . والثاني : هو النظريات . مثال الأول : إنّا إذا تصوّرنا أنّ الواحد ما هو ؟ وتصوّرنا أنّ نصف الاثنين ما هو ؟ فمجرّد حضور هذين التصوّرين في الذهن ، يوجب جزم الذهن بأنّ الواحد نصف الاثنين . فهذا هو البديهي . ومثال الثاني إنّا إذا تصوّرنا : أنّ العالم ما هو ؟ وأنّ الحادث ما هو ؟ لم يكن مجرّد حضور هذين التصوّرين ، موجبا جزم الذهن بأنّ العالم حادث ، أوليس بحادث . إذا عرفت هذا فنقول : أمّا التصديقات البديهيّة ، فشئ منها غير مكتسب . لأنّ ذينك التصوّرين . إن حضرا ، كانا موجبين لذلك التصديق - والإنسان لا قدرة له في تحصيل ذينك التصوّرين - وعند حضورهما فلا قدرة له في استلزامهما لذلك التصديق . بل إن حضرا لكان عند حضور ذلك التصديق واجبا . وإن لم يحضر إلّا واحدا منهما ، كان حضور ذلك التصديق ممتنعا . فثبت : أنّ الإنسان لا قدرة له البتّة على التصديقات البديهية . وأمّا التصديقات النظرية . فلا قدرة له أيضا على شيء منها . لأنّ تلك البديهيّات ، إن كانت مستجمعة للأمور المعتبرة في استلزام تلك النظريات ، كان حصول تلك النظريات عقيب تلك البديهيات واجبا . فلم يكن للإنسان قدرة عليها . وإن لم تكن مستجمعة للأمور المعتبرة في ذلك الاستلزام ، امتنع كونها مستلزمة لتلك النظريات . والممتنع لا قدرة عليه . ( مطل 9 ، 105 ، 18 ) - إنّ كمال النفس الناطقة في أن تعرف الحق لذاته والحيّز لأجل العمل به ، لكن عمل الحيّز مشروط أيضا بنور العرفان ، فأهم المهمّات للنفس اكتساب العرفان ، إلّا أنّها خلقت في مبدأ الأمر خالية عن معرفة أكثر الأشياء ، لكنّها أعطيت الحواس الظاهرة والباطنة ، حتى أنّ النفس إذا أحسّت بواسطة هذه الحواس بالمحسوسات تنبّهت لمشاركات بينها وبين مباينات فتتميّز عند جوهر النفس عمّا به اشتراك تلك الأشياء وعمّا به امتيازها ، وحينئذ يحصل في النفس تلك الصورة المجرّدة . ثم أنّ تلك الصورة على قسمين : منها ما يكون مجرّد تصوّراتها موجبا جزم الذهن بإسناد بعضها إلى بعض بالنفي والإثبات . ومنها ما لا يكون كذلك ، والأوّل هو البديهيات ، ولا بدّ من الاعتراف بوجودها . إذ لو لم يكن لها وجود لافتقر جزم الذهن في كل قضية إلى الاستعانة بغيرها ، فيلزم إمّا الدور وإمّا التسلسل . القسم الثاني : وهو الذي لا يكون مجرّد تصوّرها موجبا جزم الذهن فيها بالنفي والإثبات . وهي العلوم المكتسبة النظريّة ، فثبت أنّه لولا هذه الحواس لما تمكّنت النفس من تحصيل المعارف البديهيّة ولا النظرية . ولذلك قيل : من فقد حسّا فقد علما ، فهذا بيان معونة الحواس في تكميل